Secret Garden
Everyone has his own "secret garden"...
قبلة وكلمة احبك

اغلق خلفي باب غرفتي، اجلس في غرفتي الباردة في مثل هذا الوقت .. لأكتب هذا.

اغلق الباب خلفي .. امي وابي واختي واخي يتناولون طعام العشاء.. وانا رغم جوعي ، امتنع.

ليس فقط لأنني بركان على وشك الانفجار الان .. بل لأنني احتج!

احتج على طعامها .. ليس علانية ، احتج لنفسي فقط.

احتج على ان تعبر لي عن حبها عن طريق هذا الطعام ..

حين انزلق من بين يداي كأس قبل قليل في المطبخ و في ثورة غضبها الذي انتظر طويلا داخلها .. قالت لي: انا ما قلتلك انه تمسحي ولا انه تطبخي ولا انه تقومي بشغل الدار ، بس لما تساعديني، اعملي الاشي من قلب ورب!

امي .. انت لم تقولي لي ذلك .. لم تقولي شيئا.. لم تقولي انك تحبينني يوما!

أتعلمين انني لا اذكر من طفولتي معك شيئا!!

كل ما اذكره هو ذكريات مؤلمة .. وأبي الي كان يحدثنا قصة النوم ليقبلنا لننام. لا اذكرك ابدا!!

أتعلمين انني استرق منك القبلة في الاعياد ..

استرقتها منك حين كنت اسافر وأعود الى ومن الاردن حيث درست اربعة سنوات فترة الجامعة .. وحين تخرجت .. وحين تمت خطوبتي..

ابكي الان .. كما بكيت اياما كثيرة من قبل ..

بحرقة الابنة التي لم تجد حضن امها يضمها فيدفؤها يوما من الايام ..

وجدت طعامك الساخن ، و ما تشترينه من وقت لآخر لي ولأخواتي ، وجدت عصبيتك القلقة علي حين كنت اغيب فلا اتصل بالبيت لأسبوع كامل وانا في الاردن ، وجدت اشغالك المنزلية ونظافة الزوايا وبريق الارضيات في منزلنا.

لا اشك يوما بحبك .. اشك بمقدرتك على ان تمنحيني هذا الحب!

حين كنت احدثك عن ام صديقتي التي امضيت انا وصديقاتي اياما كثيرة في منزلها ، تحيطنا بحبها وحنانها علينا .. لم اكن احدثك لتغارين منها !!

كنت احدثك لتعلمي مدى حاجتي لمثل ذاك الحنان .. منك انت ، لا من غيرك!

لكنك كنت تغارين .. كنت اشعر بهذا .. بكل يقين.

لا اعرف لما اكتب الان كأنني اخاطبك ..

لكن هذا ما اريد ان احدثك به !

قبل اشهر معدودة من بداية تعليمي الجامعي في الاردن .. ذهبت الى رام الله لزيارة قريبة لي وصديقة مقربة لأمي .. وفي الطريق الى هناك ، لا اعرف ما الذي دفعنا الى الحديث عنها. كانت هذه الانسانة ذكية كفاية ومجربة للحياة بحيث انها حدثتني عن ما مر بأمي .. لكي اتفهمها اكثر.

امي هي الاخت الكبرى لسبعة بنات اخريات واخ وحيد ، تربت في بيت الام فيه تعمل طوال الليل والنهار في الخياطة , واب قاس يعلم اللغة العربية في المدرسة ومن احد اشد المدراء في البلدة لاحقا.

كانت امي تستيقظ لتنهي اعمال المنزل قبل الذهاب الى المدرسة ، حيث كانت من الاوائل في صفها .. وكان يجب ان تكون ، هكذا كانت نظرة جدي!

كانت البكر .. وكما نقول .. فأرة التجارب ومتلقية الصدمات.

لذا فقد عانت حقا.. جدي كان قاسيا ويحمل العصى في كثير من الاحيان .. و اعفوني من الشرح ، فما العصا الا لأمر يعلمه معظمكم.

امي اكملت دراستها الثانوية بتفوق .. وكانت تحلم بالجامعة ، حين تزوجت ابي . ابن عمها الذي كانت تحبه ويحبها.. وبقيت الدراسة الجامعية حرقة في قلبها حتى حصلت على البكالوريوس وهي في نهاية الثلاثينات من عمرها.

كانت حياتها مع العائلة الجديدة جيدة وكريمة ، فنحن والحمدلله عائلة ميسورة الحال والله فضّل على جدي وابي واعمامي من فضله الكثير.

وهذه حكاية اخرى لن اخوض بها .

اعترف ان ذلك الحديث في السيارة مع قريبتي قد قلب الكثير من الموازين لدي .. اذكر انني بكيت لوحدي كثيرا حين وصلنا الى بيتها.

بكيت امي وحياتها سابقا..

بكيت نفوري منها حين كنت في فترة المراهقة ..

تعلمت ان احبها واتفهمها منذ ذلك الحين.

يومها ، وقع بين يداي كتاب لسحر خليفة .. "لم نعد جواري لكم" وفيه يقول احد الابطال انه بكى .. لأنه عندما ادرك ان اباه كان وما يزال عبدا لوكالة الغوث ولفقره فأنه لا يتوقع منه اكثر من ذلك .. وذات الشيء مع امه .. سوف اقتبس الفقرة وادرجها لاحقا ..

حين قرأت ذلك .. بكيت اكثر .

ادركت ان امي لم تتربى يوما على التعبير عن حبها ، لم تتربى يوما على ان الحب هو دفء المنزل ، هو اساسه واركانه .. ليس الطعام والملابس والهدايا!!!

سافرت الى الاردن وكلي تصميم على ان ارمم صورة امي داخلي .. وارمم صورتي داخلها .. فقد كنا قد وصلنا الى خيط رفيع قد ينقطع في كل لحظة.

كان الغضب وعدم الثقة والتمرد والنفور يحكم علاقتنا ببعض.

في الاردن ، تعرفت الى ثلاث فتيات من اروع ما يمكن ..

كانت وما تزال تربطهن جميعهن علاقات وثيقة مع امهاتهن.. وكان ذلك في كثر من الاحيان مصدر ألمي .. كنت ارى اللهفة في عيونهن وقت اللقاء مع امهاتهن.. كنت اسمع المحادثات والقبلات وارى الحضن الدافيء الذي كنت اتمنى لو يكون لي.

وتغيرت .. نضجت .. والكثير الكثير جرى لي في تلك السنوات الاربع.. وقد علمنني صديقاتي ما يكفي الى ان احاول في يوم من الايام ، في السنة الثانية لي هناك ، وقبل عيد الام بفترة .. ان احاول ان اكتب الى امي رسالة ، ابعث لها بطاقة معايدة .. انا التي صنعت بنفسي العديد من البطاقات لامهات صديقاتي .. وكتبت الكثير من كلمات التقدير والحب لهن ..

اذكر حين امسكت القلم والورقة لأبد الكتابة .. انني تسمرت امامها لدقائق ، لأجد نفسي بعدها في اعصار من الدموع لم اشهد مثله . وكنت اكتب واكتب واكتب .. وأبكي واحاول مسح دموعي لأرى الورقة فأبكي اكثر واكتب اكثر ..

زينت البطاقة يومها . كتبت لها امي احبك ، كتوقيع في ذيل البطاقة .

كانت تلك المرة الاولى التي اذكر انني قلتها لها.

قبل عيد الام بيومين ، اعطيت البطاقة لأختي لتضعها تحت وسادة امي بعدما اغادر الى الاردن. لم استطع ان اعطيها لها انا. لم اجد الجرآة لأواجهها بذلك.

كم مؤلم كان ذلك. كم يزال مؤلما!

بعد بضعة ايام ، وأنا انتظر على احر من الجمر ردها .. كنت على الهاتف مع اختي .. لأسمع امي وأختي الكبرى تضحكان على البطاقة.

ولم تكن امي تسخر ، كنت انضج من ان اعتبرها تسخر مني..

كانت تعبر عن امتنانها بضحكة ونكتة!

بعد اشهر ، لاحقا ، وجدت البطاقة في خزانتها الخاصة ، في الواجهة .. كعروس تعلق فستانها الابيض في وسط الغرفة فرحة به!

ابتسمت ، وقلت في نفسي : هذه خطوة.

في عيد الام الذي تلاه .. فعلت ذات الشيء . لم يكن بمقدوري ان اتغلب على خوفي ولا ادري ماذا ايضا!!

حين تخرجت ، كنت اشعر بفرحة امي تغمر الدنيا.

كنت الابنة التي رفعت وسترفع رأس اهلها دوما.. اختي الكبرى لم تكن ناجحة مثلي .. والصغرى تمردها يطغى على نجاحها.. كنت المتعلمة والمثقفة وذات الشخصية القوية والذكية وووووووو

كلها صفات لم تجعل امي تقبلني وتقول لي احبك!!

كانت تلك اخر بطاقة لأمي ..

فحين عدت الى بيت العائلة مرة اخرى .. شخصية غير التي غادرت .. بدأت الفجوة تكبر من جديد.

اصبحت الابنة التي لا يعجبها العجب ولا الصيام برجب..

والابنة التي تعودت ان تعيش لوحدها ولا تعي ان لها اهل..

والابنة الانانية التي تريد ان تعمل وتكسب النقود كأنها تتنكر لأهلها ..

والابنة المشغولة بصديقاتها منذ ايام الجامعة , والمشغولة بالاناس الجدد في اماكن عملها .. وبعملها .. ومتناسية فضل اهلها عليها.

ولغضبي ، ولحزني لفقداني حياتي في الاردن وابتعاد صديقاتي كل الى بيتها .. ولذاك العمل الجديد والمسؤولية الجديدة ولعدم تفهم اهلي لكل هذا .. مللت ، استسلمت من محاولاتي بسد الثغرات في علاقتي مع اهلي وخاصة امي.

اصبحت اسمع من جهة واطيّر من جهة ..

اعود من عملي الى غرفتي .. لا اطلب من اهلي شيئا ولا اتوقع ان يطلبوا مني شيئا .. كنت اتصرف بأنانية لأنني كنت لوحدي.. وحيدة ومفجوعة بعالم تركته لأربع سنوات فرجعت لأجد انه ازداد سوءا وانا قد تغيرت!

كنت مفجوعة بأهل .. منحوني حياتهما ووقتهما واموالهما وجهدهما ..

اهل اعرف انهم في داخلهم يقدرون تلك الابنة الناجحة ، ويريدون لها السعادة والحياة الجميلة... وانا لا انكر لهم اي من هذا بل احمد الله على وجودهما.. فهما رائعين وتحملا الكثير من اجلنا نحن الابناء..

لكنهم نسوا امرا .. يقتل داخلي.. نسوا ان يمنحاني حضنا وقبلة صغيرة على الخد .

كم من لحظات اردت فيها ان اضم امي واقبلها وخجلت وخفت وتراجعت ..

وحتى عندما تمت خطبتي ، فأنني انشغل بأنسان آخر بعيدا عنهما .. كأنني اقترف اثما ما..
وتراجعت اكثر فأكثر لأصل الى هذا اليوم الذي ... اجد نفسي بعيدة جدا جدا عن امي.

امي التي لا تعرف عني شيئا ..

تعرف عاداتي .. وكيفية اكلي ونومي وطريقة كلامي وتصرفاتي في نطاق العائلة ..

تعرف انني اكتب لكنها لم تر ابدا كتاباتي ... لا تعرف عن روحي وما يفرح نفسي ويحزنها .. فنحن لا نتحادث ..

كانت صديقتي وما تزال ، تمضي كل وقتها مع امها .. تحدثها عن امور كنا نتحدث عنها بيننا نحن الصديقات فقط .. وكنت دوما اتعجب منها.. لكن اكثر ما كنت احسه .. هو فقداني لمثل هذه الجلسات الطويلة مع امي.

حين نتحدث انا وامي .. فأننا نتناقل احداث الاسبوع ، ما قامت به هذه وتلك .. كنشرة اخبارية يومية .. واحيانا اسبوعية!

لدي الكثير لأقوله .. لكنني سأتوقف ها هنا.

هذه اول مرة اتحدث فيها علانية بهذا القدر من احد اهم الامور في حياتي..
قد اشعر بالندم لاحقا .. لكنني كان يجب ان اكتب ، لئلا اختنق!

(0) comments

Add a Comment



Add a Comment

<<Home